وهبة الزحيلي
149
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
الحسنة والسيئة أو المظلمة والخطيئة ، لو كانت تساوي وزن أو مثقال حبة خردل ، ولو كانت في أخفى مكان كجوف صخرة ، أو في أعلى مكان كالسماوات ، أو في أسفل موضع كباطن الأرض ، لأحضرها اللّه يوم القيامة حين الحساب ، ووزن الأعمال ، والمجازاة عليها خيرا أو شرا ، كما قال تعالى : وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ ، فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً [ الأنبياء 21 / 47 ] وقال سبحانه : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [ الزلزلة 99 / 7 - 8 ] . وقوله : فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ يراد به المبالغة والانتهاء في التفهيم . إن اللّه لطيف العلم ، يصل علمه إلى كل شيء خفي ، فلا تخفى عليه الأشياء ، وإن دقت ولطفت وتضاءلت ، خبير عالم بكنه الأشياء ، يعلم ظواهر الأمور وبواطنها . والمقصود من الآية بيان سعة علم اللّه ، فهو يعلم الغيب والشهادة ، ويطلع على جميع أعمال عباده ، لموافاتهم بجزائها يوم القيامة . 2 - يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ ، وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ ، وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ ، إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ أي بعد أن منعه من الشرك ، وخوفه بعلم اللّه وقدرته ، أمره بصالح الأعمال اللازمة للتوحيد وهي الصلاة أي العبادة لوجه اللّه مخلصا ، وإقامتها أي أداؤها كاملة بحدودها وفروضها وأوقاتها ، وهي عماد الدين ، ودليل الإيمان واليقين ، ووسيلة القربى إلى اللّه وتحقيق رضوانه ، كما أنها تساعد على اجتناب الفحشاء والمنكر ، وصفاء النفس . والأمر بالمعروف أي أمر النفس والغير بما هو معروف شرعا وعقلا ، كمكارم الأخلاق ، ومحاسن الأفعال ، مما يهذب النفس ويدعو إلى التحضر والتمدن ، كما قال تعالى : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها ، وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها [ الشمس 91 / 9 - 10 ] .